أخبار وطنية يوم السبت 1 اكتوبر: لقاء من تنظيم جمعية نشاز تحت عنوان: "استفتاء، دستور، تسلّط … ثمّ ماذا بعد؟"
نشر في 26 سبتمبر 2022 (22:57)
تنظم جمعية نشاز لقاء بعنوان: "استفتاء"، "دستور"، تسلّط … ثمّ ماذا بعد؟ يوم السبت 1 اكتوبر 2022 - إنطلاقا من الساعة التاسعة والنصف صباحا بفضاء التياترو بالعاصمة. لمناقشة هذا الموضوع، تمت دعوة كلّ من مريم بن سالم، جامعية، أستاذة علوم سياسية و مهدي العش باحث ومحرر في "المفكرة القانونية" و ماهر حنين باحث في الفلسفة الاجتماعية. يدير اللقاء فتحي بن الحاج يحيى.
الورقة الاطارية للقاء
تعيش بلادنا حالة تشظّ كما لم تشهدها من قبل. ولا نعني بذلك الانقسامات السياسية والاجتماعية التي تمثّل ظاهرة عادية في مجتمع متحرّك، بل المقصود تلك التجزئة التي أصبحت تشقّ حتى العائلة الواحدة منذ أكثر من سنة وتحديدا منذ فرض قيس سعيد الإجراءات الاستثنائية في 25 جويلية 2021. وكلّما ازداد الرئيس توغّلا في حالة الانتشاء والتوحّد التي تحمل، إلاّ وازداد الشرخ تعمّقا بين مجتمع منهك ودولة لم تكفّ عن لوك الكلام وتجاهل تدهور الأوضاع.
هكذا استحال المشهد السياسي –أحزابا و"مجتمعا مدنيا"- إلى أرخبيل من جزر صغيرة منفصلة عن الحركات الاجتماعية، تتقاذفها الرياح العكسية.
استبداد من نوع جديد يحكم قبضته على الدّولة. فقيس سعيد انخرط في سباق محموم من أجل فرض مشروعه على البلاد والمجتمع حيث عمد إلى تكييف الفصل 80 ليجعل منه "دستورا" على مقاسه، وسعى إلى إدامة حالة الاستثناء تحت غطاء نظام رئاسوي هجين، وعمل على محو الهوية المدنية للدولة، ونصّب نفسه عرّافا للقواعد الاجتماعية في اتجاه المحافظة الدينية الذي أعلنه صراحة في مناسبات عدّة (حواره في جريدة المغرب 2019، خطاب 13 أوت 2020، مداخلته في المطار في جوان 2022).
ولعلّ الأكثر فداحة أنّ الخَطابة الثورية الرثّة والمتكرّرة إلى حدّ الغثيان، تخفي بالكاد إعادة إنتاج ممارسات النظام القديم من سلطة الرّجل الواحد؛ وحضور كلّي للبوليس مع إفلاته من العقاب؛ واختيارات اقتصادية أثبتت فشلها؛ وسعي مفضوح لتركيع القضاء؛ واستخفاف بالأجسام الوسيطة وبالمجتمع المدني...
أمّا عن الإصلاحات الاجتماعية، فلم نر منها إلى اليوم سوى الكلام، والأوهام؛ في حين لم تتجاوز مكافحة الفساد استعراض العضلات وتصفية الحسابات (مع القضاة مثلا)؛ ودخلت سياستنا الخارجية متاهات ومناطق ضبابية في ظلّ سياقات إقليمية وعالمية مثقلة مخاطر إلى درجة يحقّ معها التساؤل عن مدى إدراك الرئيس لتبعات اختياراته الغامضة في البحث عن اصطفاف جغراسياسي مختلف عن الخيارات الديبلوماسية التقليدية لتونس.
لكن رغم كلّ هذا، فإنّ مصطلح "العودة إلى سالف الوضع (restauration) لا يستوفي المعنى من ظاهرة قيس سعيد الذي ما زال يحظى بدعم شعبي نسبي ولكنّه حقيقي.
وهو لا يمنع من أنّنا في حضرة نظام شعبوي يستند إلى دعامتين من دعامات عنف النظام القديم، هما بوليس بن علي ومؤسّسة الجيش (المشرف من فوق).
أمام هذا المعطى الجديد، تشهد المعارضة المكوّنة من الأحزاب القديمة تمزّقا في صفوفها وفيما بينها ويبدو وكأنّها تدور في حلقة مفرغة، وعاجزة على قلب موازين القوى الاجتماعية كما أظهرته، إلى حدّ ما، نتائج الاستفتاء التي تحتمل أكثر من تأويل، فهي لئن لا تدلّ بالضرورة على الشرعية الحقيقية لرئيس الدّولة، فقد كشفت في الأثناء عن ضحالة القاعدة الشعبية للمنظومة الحزبية القديمة.
• ولنبدأ من دعاة "الشرعية" والعودة إلى وضع ما قبل 25 جويلية: لقد أكّدت الحملات التعبوية المتتالية معطى معروف مسبقا وهو أنّ أنصار النّهضة لئن ظلّوا موجودين فقد أصبحوا مشتتين وفقدوا الكثير من وزنهم وحماسهم. أمّا عن الحلفاء الجدد للترويكا البرلمانية الثانية، فلا يتعدّى دورهم التغطية البائسة عن إسلام سياسي يعيش فترة انحداره ويتجنّب تصدّر الواجهة تاركا إيّاها للنّاطقين باسمه من غير عناصره.
وهذا الخليط بين الأجناس والوجوه والخطابات والشعارات أبعد من أن يؤشّر إلى تشابك ديدنه الفضيلة أو صيغة جديدة لتحالف 18 أكتوبر وإنّما هو إلى الارتباك الذي عقب فشل الترويكا البرلمانية أقرب، والتي رمت بالبلاد في أحضان قيس سعيّد.
• وغير بعيد عن هذا المشهد، نجد خماسي الأحزاب أي تشكيلات الديمقراطية الاجتماعية المسنودة برموز مابعد اليسراوية والرافضة لتسلّطية قيس سعيّد بقدر رفضها العودة إلى شرعية اهترأت دون رجعة. على أنّ هذا التّحالف تعوقه القدرة على إحداث تعبئة ذات بال. ففي أعين الرأي العامّ ("الشعبي" أو "الشارعي" (وهما لفظان يحيلان إلى نفس المدلول في هذا الزّمن الذي تشوّش فيه حتى قاموس الألفاظ والمعاني). وهذه التشكيلات محسوبة على "العشرية السوداء" طالما أنّ الإدراك الحسّي أو التمثّل الذّهني يغلب أحيانا الحقائق الموضوعية.
ذلك هو مكر التاريخ أو لعلّه ظلم التاريخ أيضا إذ بقدر ما أُضْفِيَت على قيس سعيّد هالة المناضل، بل المقاتل، ضدّ الفقر، والفساد، وأزلام النّظام القديم رغم أنّه لم يسبق له أن رفع إصبعا زمن الخوف، فإنّ أولئك الذين ناضلوا ضدّ استبداد بن علي وقدّموا التضحيات، ثمّ وقفوا في وجه حركة النهضة بعد الثورة ومحاولاتها التمكّن من الدّولة والبلاد وجدوا أنفسهم في نفس السلّة وخصومهم جرّاء الغضب الشعبي الجارف من المنظومة السياسية برمّتها (السيستام).
حاليا، يحاول هذا المكوّن الديمقراطي-الاجتماعي المعارض بناء تحالف جديد ويسعى إلى صياغة شعارات المقاومة والتصدّي الملائمة، كما يجهد في إحياء تعبئة صارت اليوم صعبة المنال بل شبه مفقودة اصلا.
• وأخيرا، وليس آخرا، نجد، على الضفّة الأخرى، قطب عبير موسي الذي وجد نفسه يلهث وراء خزّان انتخابي كان بالأمس واعدا قبل أن يستحوذ قيس سعيّد على جزء هامّ منه بحكم احتكاره للوتر الشعبوي بما جعل عبير موسي حبيسة خطاب تحريضي يدور حول نفسه ومتناقض أحيانا، عماده المعاداة دون هوادة للإسلام السياسي، والتشكيك في شرعية الرئيس، ومناداة بقية المعارضة، وحتى مغازلتها، للالتحاق بحلف مناهض لقيس سعيّد مع مهاجمتها في نفس الوقت من أجل تشبثها بثورة مسؤولة عن جميع المآسي حسب هذه المتزعّمة لسبر الآراء والتي بدأت تفقد تدريجيا رصيدها.
هذا المشهد المشظّى يقوم على خلفية أزمة اقتصادية واجتماعية هيكلية تهدّد البلاد بالإفلاس، وليس الأمر من قبيل المغالاة.
في الجانب الآخر للصورة، نجد الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أصبح منكفئا على وظيفته النقابية المطلبية البحتة بعد أن استسلم للضّغوطات المسلّطة عليه داخليا من طرف جزء من كوادره، وخارجيا بحكم السيف المسلول على رقبته من طرف الرئيس وابتزازه قضائيا من خلال ملفّ المؤتمر الاستثنائي الأخير. وهو ما حدا به إلى التراجع أو التخلّي عن دور الحكم السياسي الذي لعبه طيلة العشرية الفارطة ووفّر بفضله ضمانة نسبية للتوازنات الديمقراطية.
أمّا عن الحركة النّسوية (المستهدفة الأولى من التوجّه المحافظ-الرجعي الجديد) وباقي المكوّنات النشيطة للمجتمع المدني، فتبدو مقتصرة على خوض حرب البيانات والعرائض، هذا إذا لم تكن فريسة لانقساماتها الداخلية كما هو الشأن بالنسبة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
وفيما يخصّ التعبيرات السياسية للناشطين الجدد من الشباب القادم غالبا من اليسار، فهو يعيش حالة تراجع منذ سنوات "مانيش مسامح". فبقدر ما توفّق إلى التحرّر من عديد القيود التي كانت تكبّله داخل الأطر الحزبية المركزية التقليدية للتنظيمات اليسارية واكتسب حريّته فإنّها تظلّ حريّة "سلبية" بمعنى أنّها لم تفتح على بدائل جديدة فاعلة ولم تنشأ عنها ولادة فاعل جماعي جديد يزن بثقله في الساحة السياسية ويتجاوز الجيل السابق له من حيث الفعل في المشهد.
وتجاوزا لمختلف هؤلاء الفاعلين، يحقّ التساؤل عمّا إذا كان الرّكود قد أصاب بدوره التحرّكات الاجتماعية وهل طالها القنوط واليأس أم طغت عليها الموجة الشعبوية فأخرست أصواتها بعد عشرية من الحراك؟ لقد ذهب بنا الظنّ إلى ذلك في فترة ما عندما حاد جانفي 2022 عن القاعدة ولم نشهد فيه تلك التحركات المعتادة لا سيما مقارنة بهبّة الشباب في جانفي 2021. لكن لنراهن على أنّ الصراع الطبقي سوف يستعيد فعاليته من جديد في الأشهر القادمة في عديد الأحياء الشعبية التي بدأ يسودها الغضب جرّاء تبعات التضخّم المالي، وشحّ المواد في الأسواق، وتراجع منسوب الثقة في وعود الرئيس.
إنّ صورة المشهد تبدو قاتمة. فالبلاد دخلت منطقة الزوابع الصمّاء المثقلة مخاطر ووعودا في الآن ذاته. لكن رغم ذلك، لا مجال للاعتقاد بأنّ 17 دبسمبر و14 جانفي لم يكونا سوى قوسين ونوعا من التنفيس الاجتماعي والسياسي على مستوى الوطن قبل أن تسترجع البلاد نظامها الاعتيادي ومسلماتها التسلطية. فالثورة لم تمرّ من هنا مرور الكرام واللّعبة لم تنته بعدُ.
لكن هذا الاعتقاد أو التفاؤل يجب ألاّ يغنينا عن التمعّن في هذه الأزمة غير المسبوقة التي طالت جميع قطاعات وجوانب الحياة الاجتماعية والسياسية إلى درجة أنّ الفعل السياسي ذاته دخل في أزمة لم يعرفها من قبل جرّاء العدمية الشعبوية.
نحن لم نكفّ يوما، في نشاز، عن القول بأنّ كنه الثورة يكمن في أفقها الاجتماعي بدليل أنّ قضية التفاوت الاجتماعي واللاّ مساواة قد عادت لتفرض نفسها بكلّ ثقلها وأبعادها بعد أن ضحّت بها الترويكا الأولى أو تجاهلتها لفائدة الجدل الهووي في مرحلة أولى ثمّ الوفاق اللبرالي-الإسلامي في مرحلة ثانية، ولم تحملها، وإن بنوع من الاحتشام، سوى مختلف مكوّنات اليسار التي وجدت نفسها، رغم أنفها، مجرورة إلى المسار المحدّد سلفا "للانتقال الديمقراطي" والذي تمدّد إلى حدّ وللاّمعنى.
نفس السؤال يُطرح من جديد اليوم. فاعتبار قيس سعيد المدافع الجديد عن الفقراء هو تجن فاضح على الواقع، إذ ليس للشعب الذي ما فتئ الرئيس يردّد اسمه في خطاباته إلى حدّ الإشباع أيّ تجسيد في الواقع، بل هو مجرّد صدى لصوت المنادي به. وفي كلمة، فإنّ هذا الشعب الهلامي ليس له من وظيفة أخرى سوى التغطية على النزاع الاجتماعي والتستّر عن التفاوتات التي تنخر المجتمع. والطبقة السياسية القديمة لئن توجد اليوم في حالة موت سريري (وهل هي واعية بذلك؟) فلأنّها لم تدرك أهمية هذا الرّهان الحيوي أو لم تستطع أن تدركه.
بعد هذه المعاينة السريعة (والمؤقتة) للمشهد السياسي، نكتفي هنا بطرح بعض الأسئلة التي يصعب، في اعتقادنا، تجاهلها أو القفز عليها راهنا:
• هل مازال لخطاب "الانتقال الديمقراطي" من وجاهة أمام طوفان اللّحظة الشعبية؟ فإن ثمّة مسألة يتعيّن إدراجها على جدول الأعمال الآني فهي تجاوز الرؤية الضيقة للمجال السياسي والتي تغضّ الطّرف عن المسألة الاجتماعية، وتعزّز التوافق القاتل بين الصفّ المسمّى "حداثي" والإسلام السياسي. فمثل هذا التقابل قد تجاوزه الزّمن بالنّظر إلى الهجمة الشعبوية. ولعلّ أولى المسلّمات التي لا تحتمل الشكّ هي أنّ أيّ سياسة لا تضع في الصدارة رهان التفاوتات الاجتماعية والجهوية مكتوب عليها الفشل. فالبناء الديمقراطي المطلوب والدفاع عن الحريات المهدّدة اليوم لا معنى لهما دون استنادهما إلى المعركة ضدّ اللامساواة والتفاوتات. فـ"الدّفاع عن المجتمع" يفترض إيجاد التمفصل بين هذين الإلزامين.
• هل من حظوظ لشعار "الجميع ضدّ قيس سعيّد" في خلق ديناميكية مقاومة ضدّ النزعة الرئاسوية الشعبوية والحال أنّ جزءا كبيرا من المجتمع المدني يلفظ التحالف مع الإسلاميين باعتبارهم المسؤولين عن "العشرية الضّائعة" كما يرفض إدماج الحزب الدستوري الحرّ المنادي بالثأر للنظام القديم؟
• بأيّ مفردات يمكن التفكير أو إعادة التفكير في الثورة في وقت ما زال فيه قمقم الشعبوية مؤثّرا في المجتمع، والحنين إلى الرجل القوي ما زال يمثّل طلبا مجتمعيا، واليأس من مآثر الثورة يسري بين النّاس الذين لم يعد من همٍّ لهم سوى خوض معركة البقاء اليومي بعيدا عن الثورة، ووعودها، وضوضائها، وأمواجها العاتية...؟
• واليسار من كلّ هذا؟ هل سيكون قادرا على الخروج من الأزمة من الفوق؟ وهل بإمكانه إدراك مدى عمق الشرخ الجيلي وأن يعيد التفكير في الوجوه التي تمثّله وتجسّد وجوده؟ وأن يعيد ابتكار الكلمات ويتعرّف على مواقع النّضال الحقيقية؟ وبعبارة أخرى، هل ستكون محنة الشعبوية فرصة لليسار للتخلّص من شعبويته الأيديولوجية التي أبعدته عن الشعب بقدر ما أبعدته عن الشباب؟
استبداد من نوع جديد يحكم قبضته على الدّولة. فقيس سعيد انخرط في سباق محموم من أجل فرض مشروعه على البلاد والمجتمع حيث عمد إلى تكييف الفصل 80 ليجعل منه "دستورا" على مقاسه، وسعى إلى إدامة حالة الاستثناء تحت غطاء نظام رئاسوي هجين، وعمل على محو الهوية المدنية للدولة، ونصّب نفسه عرّافا للقواعد الاجتماعية في اتجاه المحافظة الدينية الذي أعلنه صراحة في مناسبات عدّة (حواره في جريدة المغرب 2019، خطاب 13 أوت 2020، مداخلته في المطار في جوان 2022).
ولعلّ الأكثر فداحة أنّ الخَطابة الثورية الرثّة والمتكرّرة إلى حدّ الغثيان، تخفي بالكاد إعادة إنتاج ممارسات النظام القديم من سلطة الرّجل الواحد؛ وحضور كلّي للبوليس مع إفلاته من العقاب؛ واختيارات اقتصادية أثبتت فشلها؛ وسعي مفضوح لتركيع القضاء؛ واستخفاف بالأجسام الوسيطة وبالمجتمع المدني...
أمّا عن الإصلاحات الاجتماعية، فلم نر منها إلى اليوم سوى الكلام، والأوهام؛ في حين لم تتجاوز مكافحة الفساد استعراض العضلات وتصفية الحسابات (مع القضاة مثلا)؛ ودخلت سياستنا الخارجية متاهات ومناطق ضبابية في ظلّ سياقات إقليمية وعالمية مثقلة مخاطر إلى درجة يحقّ معها التساؤل عن مدى إدراك الرئيس لتبعات اختياراته الغامضة في البحث عن اصطفاف جغراسياسي مختلف عن الخيارات الديبلوماسية التقليدية لتونس.
لكن رغم كلّ هذا، فإنّ مصطلح "العودة إلى سالف الوضع (restauration) لا يستوفي المعنى من ظاهرة قيس سعيد الذي ما زال يحظى بدعم شعبي نسبي ولكنّه حقيقي.
وهو لا يمنع من أنّنا في حضرة نظام شعبوي يستند إلى دعامتين من دعامات عنف النظام القديم، هما بوليس بن علي ومؤسّسة الجيش (المشرف من فوق).
أمام هذا المعطى الجديد، تشهد المعارضة المكوّنة من الأحزاب القديمة تمزّقا في صفوفها وفيما بينها ويبدو وكأنّها تدور في حلقة مفرغة، وعاجزة على قلب موازين القوى الاجتماعية كما أظهرته، إلى حدّ ما، نتائج الاستفتاء التي تحتمل أكثر من تأويل، فهي لئن لا تدلّ بالضرورة على الشرعية الحقيقية لرئيس الدّولة، فقد كشفت في الأثناء عن ضحالة القاعدة الشعبية للمنظومة الحزبية القديمة.
• ولنبدأ من دعاة "الشرعية" والعودة إلى وضع ما قبل 25 جويلية: لقد أكّدت الحملات التعبوية المتتالية معطى معروف مسبقا وهو أنّ أنصار النّهضة لئن ظلّوا موجودين فقد أصبحوا مشتتين وفقدوا الكثير من وزنهم وحماسهم. أمّا عن الحلفاء الجدد للترويكا البرلمانية الثانية، فلا يتعدّى دورهم التغطية البائسة عن إسلام سياسي يعيش فترة انحداره ويتجنّب تصدّر الواجهة تاركا إيّاها للنّاطقين باسمه من غير عناصره.
وهذا الخليط بين الأجناس والوجوه والخطابات والشعارات أبعد من أن يؤشّر إلى تشابك ديدنه الفضيلة أو صيغة جديدة لتحالف 18 أكتوبر وإنّما هو إلى الارتباك الذي عقب فشل الترويكا البرلمانية أقرب، والتي رمت بالبلاد في أحضان قيس سعيّد.
• وغير بعيد عن هذا المشهد، نجد خماسي الأحزاب أي تشكيلات الديمقراطية الاجتماعية المسنودة برموز مابعد اليسراوية والرافضة لتسلّطية قيس سعيّد بقدر رفضها العودة إلى شرعية اهترأت دون رجعة. على أنّ هذا التّحالف تعوقه القدرة على إحداث تعبئة ذات بال. ففي أعين الرأي العامّ ("الشعبي" أو "الشارعي" (وهما لفظان يحيلان إلى نفس المدلول في هذا الزّمن الذي تشوّش فيه حتى قاموس الألفاظ والمعاني). وهذه التشكيلات محسوبة على "العشرية السوداء" طالما أنّ الإدراك الحسّي أو التمثّل الذّهني يغلب أحيانا الحقائق الموضوعية.
ذلك هو مكر التاريخ أو لعلّه ظلم التاريخ أيضا إذ بقدر ما أُضْفِيَت على قيس سعيّد هالة المناضل، بل المقاتل، ضدّ الفقر، والفساد، وأزلام النّظام القديم رغم أنّه لم يسبق له أن رفع إصبعا زمن الخوف، فإنّ أولئك الذين ناضلوا ضدّ استبداد بن علي وقدّموا التضحيات، ثمّ وقفوا في وجه حركة النهضة بعد الثورة ومحاولاتها التمكّن من الدّولة والبلاد وجدوا أنفسهم في نفس السلّة وخصومهم جرّاء الغضب الشعبي الجارف من المنظومة السياسية برمّتها (السيستام).
حاليا، يحاول هذا المكوّن الديمقراطي-الاجتماعي المعارض بناء تحالف جديد ويسعى إلى صياغة شعارات المقاومة والتصدّي الملائمة، كما يجهد في إحياء تعبئة صارت اليوم صعبة المنال بل شبه مفقودة اصلا.
• وأخيرا، وليس آخرا، نجد، على الضفّة الأخرى، قطب عبير موسي الذي وجد نفسه يلهث وراء خزّان انتخابي كان بالأمس واعدا قبل أن يستحوذ قيس سعيّد على جزء هامّ منه بحكم احتكاره للوتر الشعبوي بما جعل عبير موسي حبيسة خطاب تحريضي يدور حول نفسه ومتناقض أحيانا، عماده المعاداة دون هوادة للإسلام السياسي، والتشكيك في شرعية الرئيس، ومناداة بقية المعارضة، وحتى مغازلتها، للالتحاق بحلف مناهض لقيس سعيّد مع مهاجمتها في نفس الوقت من أجل تشبثها بثورة مسؤولة عن جميع المآسي حسب هذه المتزعّمة لسبر الآراء والتي بدأت تفقد تدريجيا رصيدها.
هذا المشهد المشظّى يقوم على خلفية أزمة اقتصادية واجتماعية هيكلية تهدّد البلاد بالإفلاس، وليس الأمر من قبيل المغالاة.
في الجانب الآخر للصورة، نجد الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أصبح منكفئا على وظيفته النقابية المطلبية البحتة بعد أن استسلم للضّغوطات المسلّطة عليه داخليا من طرف جزء من كوادره، وخارجيا بحكم السيف المسلول على رقبته من طرف الرئيس وابتزازه قضائيا من خلال ملفّ المؤتمر الاستثنائي الأخير. وهو ما حدا به إلى التراجع أو التخلّي عن دور الحكم السياسي الذي لعبه طيلة العشرية الفارطة ووفّر بفضله ضمانة نسبية للتوازنات الديمقراطية.
أمّا عن الحركة النّسوية (المستهدفة الأولى من التوجّه المحافظ-الرجعي الجديد) وباقي المكوّنات النشيطة للمجتمع المدني، فتبدو مقتصرة على خوض حرب البيانات والعرائض، هذا إذا لم تكن فريسة لانقساماتها الداخلية كما هو الشأن بالنسبة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
وفيما يخصّ التعبيرات السياسية للناشطين الجدد من الشباب القادم غالبا من اليسار، فهو يعيش حالة تراجع منذ سنوات "مانيش مسامح". فبقدر ما توفّق إلى التحرّر من عديد القيود التي كانت تكبّله داخل الأطر الحزبية المركزية التقليدية للتنظيمات اليسارية واكتسب حريّته فإنّها تظلّ حريّة "سلبية" بمعنى أنّها لم تفتح على بدائل جديدة فاعلة ولم تنشأ عنها ولادة فاعل جماعي جديد يزن بثقله في الساحة السياسية ويتجاوز الجيل السابق له من حيث الفعل في المشهد.
وتجاوزا لمختلف هؤلاء الفاعلين، يحقّ التساؤل عمّا إذا كان الرّكود قد أصاب بدوره التحرّكات الاجتماعية وهل طالها القنوط واليأس أم طغت عليها الموجة الشعبوية فأخرست أصواتها بعد عشرية من الحراك؟ لقد ذهب بنا الظنّ إلى ذلك في فترة ما عندما حاد جانفي 2022 عن القاعدة ولم نشهد فيه تلك التحركات المعتادة لا سيما مقارنة بهبّة الشباب في جانفي 2021. لكن لنراهن على أنّ الصراع الطبقي سوف يستعيد فعاليته من جديد في الأشهر القادمة في عديد الأحياء الشعبية التي بدأ يسودها الغضب جرّاء تبعات التضخّم المالي، وشحّ المواد في الأسواق، وتراجع منسوب الثقة في وعود الرئيس.
إنّ صورة المشهد تبدو قاتمة. فالبلاد دخلت منطقة الزوابع الصمّاء المثقلة مخاطر ووعودا في الآن ذاته. لكن رغم ذلك، لا مجال للاعتقاد بأنّ 17 دبسمبر و14 جانفي لم يكونا سوى قوسين ونوعا من التنفيس الاجتماعي والسياسي على مستوى الوطن قبل أن تسترجع البلاد نظامها الاعتيادي ومسلماتها التسلطية. فالثورة لم تمرّ من هنا مرور الكرام واللّعبة لم تنته بعدُ.
لكن هذا الاعتقاد أو التفاؤل يجب ألاّ يغنينا عن التمعّن في هذه الأزمة غير المسبوقة التي طالت جميع قطاعات وجوانب الحياة الاجتماعية والسياسية إلى درجة أنّ الفعل السياسي ذاته دخل في أزمة لم يعرفها من قبل جرّاء العدمية الشعبوية.
نحن لم نكفّ يوما، في نشاز، عن القول بأنّ كنه الثورة يكمن في أفقها الاجتماعي بدليل أنّ قضية التفاوت الاجتماعي واللاّ مساواة قد عادت لتفرض نفسها بكلّ ثقلها وأبعادها بعد أن ضحّت بها الترويكا الأولى أو تجاهلتها لفائدة الجدل الهووي في مرحلة أولى ثمّ الوفاق اللبرالي-الإسلامي في مرحلة ثانية، ولم تحملها، وإن بنوع من الاحتشام، سوى مختلف مكوّنات اليسار التي وجدت نفسها، رغم أنفها، مجرورة إلى المسار المحدّد سلفا "للانتقال الديمقراطي" والذي تمدّد إلى حدّ وللاّمعنى.
نفس السؤال يُطرح من جديد اليوم. فاعتبار قيس سعيد المدافع الجديد عن الفقراء هو تجن فاضح على الواقع، إذ ليس للشعب الذي ما فتئ الرئيس يردّد اسمه في خطاباته إلى حدّ الإشباع أيّ تجسيد في الواقع، بل هو مجرّد صدى لصوت المنادي به. وفي كلمة، فإنّ هذا الشعب الهلامي ليس له من وظيفة أخرى سوى التغطية على النزاع الاجتماعي والتستّر عن التفاوتات التي تنخر المجتمع. والطبقة السياسية القديمة لئن توجد اليوم في حالة موت سريري (وهل هي واعية بذلك؟) فلأنّها لم تدرك أهمية هذا الرّهان الحيوي أو لم تستطع أن تدركه.
بعد هذه المعاينة السريعة (والمؤقتة) للمشهد السياسي، نكتفي هنا بطرح بعض الأسئلة التي يصعب، في اعتقادنا، تجاهلها أو القفز عليها راهنا:
• هل مازال لخطاب "الانتقال الديمقراطي" من وجاهة أمام طوفان اللّحظة الشعبية؟ فإن ثمّة مسألة يتعيّن إدراجها على جدول الأعمال الآني فهي تجاوز الرؤية الضيقة للمجال السياسي والتي تغضّ الطّرف عن المسألة الاجتماعية، وتعزّز التوافق القاتل بين الصفّ المسمّى "حداثي" والإسلام السياسي. فمثل هذا التقابل قد تجاوزه الزّمن بالنّظر إلى الهجمة الشعبوية. ولعلّ أولى المسلّمات التي لا تحتمل الشكّ هي أنّ أيّ سياسة لا تضع في الصدارة رهان التفاوتات الاجتماعية والجهوية مكتوب عليها الفشل. فالبناء الديمقراطي المطلوب والدفاع عن الحريات المهدّدة اليوم لا معنى لهما دون استنادهما إلى المعركة ضدّ اللامساواة والتفاوتات. فـ"الدّفاع عن المجتمع" يفترض إيجاد التمفصل بين هذين الإلزامين.
• هل من حظوظ لشعار "الجميع ضدّ قيس سعيّد" في خلق ديناميكية مقاومة ضدّ النزعة الرئاسوية الشعبوية والحال أنّ جزءا كبيرا من المجتمع المدني يلفظ التحالف مع الإسلاميين باعتبارهم المسؤولين عن "العشرية الضّائعة" كما يرفض إدماج الحزب الدستوري الحرّ المنادي بالثأر للنظام القديم؟
• بأيّ مفردات يمكن التفكير أو إعادة التفكير في الثورة في وقت ما زال فيه قمقم الشعبوية مؤثّرا في المجتمع، والحنين إلى الرجل القوي ما زال يمثّل طلبا مجتمعيا، واليأس من مآثر الثورة يسري بين النّاس الذين لم يعد من همٍّ لهم سوى خوض معركة البقاء اليومي بعيدا عن الثورة، ووعودها، وضوضائها، وأمواجها العاتية...؟
• واليسار من كلّ هذا؟ هل سيكون قادرا على الخروج من الأزمة من الفوق؟ وهل بإمكانه إدراك مدى عمق الشرخ الجيلي وأن يعيد التفكير في الوجوه التي تمثّله وتجسّد وجوده؟ وأن يعيد ابتكار الكلمات ويتعرّف على مواقع النّضال الحقيقية؟ وبعبارة أخرى، هل ستكون محنة الشعبوية فرصة لليسار للتخلّص من شعبويته الأيديولوجية التي أبعدته عن الشعب بقدر ما أبعدته عن الشباب؟